المصادرة

 
     
 

من الإجراءات الاقتصادية القمعية والردعية التي انتهجتها السلطات الاستعمارية تجاه الجزائريين ، إجراء المصادرة أو الاستيلاء على الأملاك والأراضي، مما الحق بالمجتمع الجزائري أكبر الأضرار .
المصادرات على عهد النظام العسكري :
مصادرة الأوقاف والأملاك الخاصة : كانت المؤسسات الوقفية من الميادين الأولى التي مسها إجراء المصادرة وذلك لما كانت تمثله من مكانة ذات وزن ديني وثقافي وإقتصادي في المجتمع الجزائري في تلك الحقبة التاريخية .ويمكن إجمال خلفيات هذا الإجراء الفرنسي بما يلي :
- إن الإستيلاء على أملاك هذه المؤسسات سوف يسهل عملية نقل الملكية ويفقد الطرف الجزائري مصدر قوته الإقتصادية والعلمية والسياسية ، وفي حالة ترك هذه الأملاك بيد الجزائريين فإنه يحرم الوافدين الجدد من المستوطنين من شراء والاستفادة من هذه الأملاك ومن ثمة الاستقرار في المستوطنة الجديدة ، وهذا ما يتعارض مع أهداف الاستعمار الفرنسي.
- إجبار الجزائريين على الهجرة وترك الجزائر ، وذلك بإستخدام سياسة التفقير التي ترغمهم على مغادرة أملاكهم وأراضيهم ، أو القبول بالعمل مرغمين تحت سيطرة المستوطنين الأوربيين.
ولتجسيد هذه السياسة بادر النظام العسكري الى إصدار قرار 8 سبتمبر 1830 في عهد كلوزيل ، الذي نص على : " أن كل الدور والدكاكين والمخازن والحدائق والأراضي والمحلات والمؤسسات مهما كانت ، التي كان يشغلها الداي والبايات والأتراك الذين خرجوا من إيالة الجزائر ، أو التي كان يشغلها الآن أناس بإسمهم، بالإضافة الى المؤسسات التابعة لمكة والمدينة ، كل ذلك يدخل في أملاك الدولة الدومين ويجب أن تستثمر لحسابها " ولحرمان أصحاب هذه الأملاك من فرصة الرد على القرار ، أضاف " أن كل الأشخاص الذين تخضع لهم تلك الأملاك عليهم أن يقدموا في ظرف ثلاثة أيام من نشر القرار بإثبات البيانات التي تحتوي على طبيعة ووضع وكمية الأحواز التي في حوزتهم ، وكمية الدخل منها أو الأجر الذي ينجر عنها ، وآخيرا مدة الدفع …"
وفي سنة 1830 صدر قرار 7 ديسمبر ، والذي نص على مطالبة المفتين والقضاة والوكلاء، تقديم حساباتهم عن الأوقاف والسجلات التي يملكونها الى مدير أملاك الدولة ، وفي حالة عدم الإستجابة هدد بإنزال أشد العقوبات على المخالفين . وأزدادت الهجمة الإستعمارية على المؤسسات الوقفية في عهد بيجو الذي ضم الى العقارات المصادرة أوقاف الجامع الكبير وكذلك جميع المؤسسات الدينية الأخرى مثل المساجد والزوايا والمقابر والقباب ..الخ وما كادت سنة 1848 على الإنتهاء حتى أصبحت كل مداخيل هذه المؤسسات توجه مباشرة ميزانية الدولة وقد قدرت هذه المداخيل سنة 1842 ب 1.035.914.25 ف/ف
مصادرة أراضي القبائل الثائرة :
كانت الأرض الجزائرية مسرحا لعمليات اغتصاب ونهب منظمة قننتها الإدارة الفرنسية في سلسة من المراسيم و القوانين تبيح لها الاستحواذ و الاستيلاء على الأراضي الزراعية .و كان أول إجراء و أخطرها المصادرة، هذه الأخيرة تتم بصيغتين، جماعية و فردية ، حيث تستولي الإدارة بالقوة على كل الأملاك المنقولة و غير المنقولة . و بهذه الطريقة القمعية ، تم تحويل غالبية الفلاحين الجزائريين من ملاكين للأرض إلى مستأجرين و خماسين . و تم هذا كله بمقتضى. القانون الصادر سنة 1845، الذي قرر، أن المصادرة تطبق على كافة القبائل التي تدخل في حرب مع الفرنسيين و حلفائهم من القبائل المتعاونة،و كل من يساعد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة العدو ، أو له معه اتصالات إضافة إلى اعتبار كل جزائري تغيب عن قريته أكثر من ثلاثة أشهر من دون رخصة من السلطات الفرنسية - في نظر هذا القانون -متخليا عن أرضه وفارا إلى أرض العدو "و أتبعت الإدارة الفرنسية هذا القانون بقانون آخر ، هو الأمر الملكي الصادر في 21 جويلية 1846، و الذي بموجبه ، تصادر الأراضي الزراعية غير المستثمرة في مناطق محددة ، وتصبح بعد أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر من صدور هذا القانون ، في حيازة دائرة المصلحة العقارية الفرنسية . وهذا القانون والذي سبقه مكن الفرنسيين من الاستيلاء على 131.672.45 هكتارا من مجموع 168.203.59 هكتارا واقعة في سهل متيجة .
والواضح أن المصادرة كانت تخدم هدفين اثنين ؛ الأول ، قمع انتفاضات الجزائريين ضد الوجود الفرنسي ، الثاني ، الحصول على الأرض والتي كانت تشكل عائقا أمام التوسع الاستيطاني. ويتجلى لنا التصرف الاستعماري بصورة أكثر وضوحا ، في الإجراءات المتخذة ضد القبائل المشاركة في مقاومة المقراني سنة 1871. فقد ألحقت بأملاك الدولة مساحات شاسعة من الأراضي تخص سبع مجموعات قبلية ، أي حوالي 306.614 هكتارا من أراضي المرور، وحوالي 503.506 هكتارا من الأراضي الزراعية التابعة ل 306 قبيلة اعتبرت متمردة ، وتعرضت 1178 ملكية خاصة للمصادرة وألحقت أراضيها بأملاك الدولة . وقد بلغ مجموع عمليات الاقتطاع 446.406 هكتارا من بينها 301.516 هكتارا من الأراضي الزراعية و 54461 هكتارا من أراضي الرعي و 90.429 هكتارا من أراضي المرور. فقط علينا أن نشير أن إجراء المصادرة لم تنتهجه الإدارة الفرنسية مع مقاومة 1871وإنما مع كل الثورات السابقة واللاحقة ، مثل مقاومة الأوراس عام 1879 و أولاد سيدي الشيخ . وبالعودة الى الإحصائيات نجد أن المصادرة الجماعية للأراضي الزراعية قد مكنت المستوطنين من الاستيلاء على 2.639.999 هكتارا تعود ملكيتها لحوالي 313 قبيلة. أما المصادرة الفردية فقد كان ضحيتها حوالي 4.827 جزائري